أحمد زكي صفوت

50

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فيما بينهم قائما ، لا يتخوّف محسنهم منه رهقا « 1 » ، ولا مسيئهم عدوانا ، فقد كانت بيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جريدة يستاك بها ، ويردع عنه المنافقين ، فأتاه جبريل فقال : « يا محمد ، ما هذه الجريدة بيدك ! اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا » فكيف من سفك دماءهم ، وشقّق أبشارهم ، وأنهب « 2 » أموالهم ؟ يا أمير المؤمنين : إن المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر ، دعا إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمّده ، فهبط جبريل ، فقال : « يا محمد ، إن اللّه لم يبعثك جبّارا تكسر قرون أمتك » واعلم أن كل ما في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة ، ولا ثمرة من ثمارها ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقاب « 3 » قوس أحدكم من الجنة ، أو قذّة « 4 » خير له من الدنيا بأسرها » إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها ، ولو بقي الملك لمن قبلك لم يصل إليك يا أمير المؤمنين ، ولو أنّ ثوبا من ثياب أهل النار علّق بين السماء والأرض لآذاهم . فكيف من يتقمّصه ؟ ولو أن ذنوبا « 5 » من صديد أهل النار صبّ على ماء الأرض لآجنه « 6 » ، فكيف بمن يتجرّعه ؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب ، فكيف من سلك « 7 » فيها ، ويردّ فضلها على عاتقه ؟ وقد قال عمر بن الخطاب : « لا يقوّم أمر الناس إلا حصيف « 8 » العقدة ، بعيد الغرّة « 9 » لا يطّلع الناس منه على عورة ، ولا يحنق في الحق على جرّة « 10 » ، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم » . واعلم أن السلطان أربعة : أمير يظلف « 11 » نفسه وعمّاله ، فذلك له أجر المجاهد في سبيل اللّه ، وصلاته سبعون ألف صلاة ، ويد اللّه بالرحمة على رأسه ترفرف ، وأمير رتع ورتع عمّاله ، فذاك يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله ، وأمير يظلف نفسه ،

--> ( 1 ) ظلما . ( 2 ) جعلها نهيا يغار عليه . ( 3 ) ألقاب : ما بين المقبض والسية ( وسية للقوس كعدة : ما عطف من طرفيها ) . ( 4 ) ريش السهم . ( 5 ) الذنوب : الدلو . ( 6 ) جعله آجنا أي متغير الطعم واللون . ( 7 ) قيد . ( 8 ) حصف الرجل ككرم : استحكم عقله فهو حصيف ، وأحصف الحبل : أحكم فتله . ( 9 ) الغفلة . ( 10 ) أحنق : حقد حقدا لا ينحل ، وأحنق الصلب : لزق بالبطن ، والجرة ما يفيض به البعير فيأكله ثانية ، والمراد أنه لا يضمر الحقد والحنق . ( 11 ) يكف .